استأنف القراءة من حيث توقفت؟
هجرة: نصف فيلم عظيم
FILM CRITIQUE · نقد سينمائي

هجرة: نصف فيلم عظيم

ثمة مفارقة تحيط بفيلم «هجرة» منذ بداية رحلته. فيلمٌ خرج من مهرجان البندقية محمّلًا بالأصداء، وفاز بجوائز عدّة وسط احتفاء كبير،  لكنه حين دخل صالات السينما المحلية لم يجد حفاوة مشابهة، ليفتح سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل تستطيع السينما السعودية غير التجارية أن تصنع جمهورها؟  هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا مع «هجرة» تحديدًا، لأننا أمام […]

فريق رمان · FILM CRITIC · أكتوبر 2026 · 9 دقائق قراءة

ثمة مفارقة تحيط بفيلم «هجرة» منذ بداية رحلته. فيلمٌ خرج من مهرجان البندقية محمّلًا بالأصداء، وفاز بجوائز عدّة وسط احتفاء كبير،  لكنه حين دخل صالات السينما المحلية لم يجد حفاوة مشابهة، ليفتح سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل تستطيع السينما السعودية غير التجارية أن تصنع جمهورها؟ 

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا مع «هجرة» تحديدًا، لأننا أمام فيلم يمتلك في نصفه الأول تقريبًا كل ما يحتاجه فيلم كبير: شخصية إخراجية واضحة، صورة شديدة الثقة، عالم محلي غير مستهلك سينمائيًا، توتر سردي، ومجموعة من الأسئلة التي تنبع من الشخصيات بدل أن تُفرض عليها. ثم يحدث شيء ما في الطريق. كأن الرحلة التي بدأت شديدة التركيز تفقد وجهتها تدريجيًا، حتى يبدو نصف الفيلم الثاني أحيانًا وكأنه صُنع بمنطق مختلف عن النصف الأول.

ومع ذلك، يصعب إنكار أن «هجرة» يظل واحدًا من أهم الأفلام السعودية؛ بل إن ما يثير الإحباط فيه هو تحديدًا مقدار الفيلم العظيم الذي نستطيع رؤيته داخله.

تبدأ الرحلة من الطائف. جدة تصحب حفيدتيها، سارة وجنى، لأداء الحج. عند ميقات السيل الكبير تختفي سارة، الابنة الأكبر والأكثر تمردًا، فتضطر الجدة إلى ترك الرحلة التي انتظرتها طويلًا والانطلاق مع جنى بحثًا عنها.

من هذه اللحظة، ينقلب اتجاه الفيلم كله.الناس يتجهون إلى مكة، بينما بطلات الفيلم يبتعدن عنها. هذه المفارقة واحدة من أجمل أفكار «هجرة». فالحج، الذي يعني بلوغ وجهة محددة، يتحول إلى رحلة ضياع. 

وشهد أمين تعرف كيف تمنح المكان قيمة تتجاوز جماليات الصورة. السعودية هنا ليست مجموعة لقطات سياحية، بل جغرافيا واسعة تتبدل معها الشخصيات. تبدأ الصورة أكثر برودة وهدوءًا في الطائف، ثم يشتد الضوء وتزداد الألوان حرارة كلما ابتعدت الرحلة وتوغلت في الأرض. الأزرق يتراجع أمام الأصفر، والخضرة أمام الصحراء، والطمأنينة أمام الطرق المفتوحة التي تجعل جدة مسنة وطفلة تبدوان أصغر فأصغر داخل الكادر. لهذا تبدو الجغرافيا وكأنها الشخصية الرابعة.

أين ذهب الجيل الأوسط؟

لا تريد شهد أمين محاكمة جيل لمصلحة جيل آخر، لكن الفيلم لم يثق دائمًا في هذه الفكرة بقدر كافٍ.فبدل أن يترك العلاقات والسلوكيات والصمت ليكشف الفجوة بين الأجيال، يلجأ في مواضع عدة إلى الحوار المباشر. بعض الجمل تبدو مكتوبة لكي تصل «الفكرة» إلى المشاهد أكثر من كونها كلامًا يمكن أن تقوله الشخصية فعلًا، والشرح كان نقطة ضعف في القصة. 

أجمل ما يضيفه الفيلم هو سؤال الهوية، ويستثمر هذه الحقيقة من خلال شخصيتين أساسيتين: الجدة وأحمد.

من البداية، تبدو ملامح الجدة وحفيدتيها مختلفة، ثم يأتي الكداد أحمد، ويسأل الجدة ببساطة: «سعودية يا حجة؟».يبدو السؤال عابرًا، لكنه يصبح لاحقًا مفتاحًا للفيلم كله.

أحمد نفسه يتحدث بلهجة محلية، يعرف الطرق والناس وحيل الحياة اليومية، ويبدو في كل تفصيل من تفاصيله ابنًا للمكان. لا يستخدم الفيلم هذا التفصيل بوصفه مفاجأة، بل كإشارة إلى تاريخ كامل من الناس الذين صاروا جزءًا من النسيج السعودي بينما بقي السؤال القانوني عن انتمائهم أكثر تعقيدًا.

وهنا يصبح اختيار نواف الظفيري موفقًا على نحو خاص. أحمد هو أكثر شخصيات الفيلم حيوية؛ نصّاب صغير، كداد، بائع فرص، وشخص يعرف كيف ينجو من يومه.يكفي أن يظهر حتى تتغير طاقة الفيلم، لأننا نشعر أننا نعرف شخصًا يشبهه. هذه واحدة من الحالات التي ينتصر فيها الأداء على الكتابة: التفاصيل الصغيرة في الكلام والحركة والنظرة تجعل أحمد ابنًا للشارع قبل أن يكون أداة في أطروحة عن الهوية.

وتصل فكرة «الهجرة» إلى أقسى صورها حين يضع الفيلم سارة وأحمد في طرفين متقابلين، سارة تملك الوثيقة. سعودية قانونيًا، وقادرة على البقاء، لكنها تريد المغادرة. المكان بالنسبة إليها يتحول إلى قيد، والهروب يصبح احتمالًا لحياة أخرى، أما أحمد، فلا يملك الامتياز نفسه. هو من أبناء المكان وجدانيًا واجتماعيًا، لكنه يظل في وضع قانوني هش، ويحتاج إلى أن يقاتل لكي يبقى في الأرض التي لا يعرف غيرها.

هذه المفارقة ربما تكون أقوى ما يقدمه «هجرة»، لأنها تنقل سؤال الهوية من الشعارات إلى تجربة ملموسة: ماذا يعني أن يكون لك وطن؟ هل الوطن هو الجواز؟ أم اللغة؟ أم الذاكرة؟ أم المكان الوحيد الذي تستطيع أن 

كل ذلك يجعل النصف الأول من «هجرة» شديد الثراء، هناك فتاة مفقودة يجب العثور عليها. أب يجب ألا يعرف. جدة تخفي ماضيًا. طفلة تعرف أقل مما يظنه الكبار وأكثر مما يعتقدون. ورجل غريب لا نعرف إن كان يمكن الوثوق به. أي أن الفيلم يمتلك، ببساطة، قصة.

وهذا هو الجزء الذي يعمل فيه «هجرة» بأفضل صورة. الأسئلة الكبرى موجودة، وتتحرك تحت سطح الحكاية. نتابع الشخصيات لأننا نريد أن نعرف ماذا سيحدث لها، وفي أثناء ذلك نفهم شيئًا عن الأجيال والمرأة والهجرة والانتماء. ثم يبدأ التوازن بالتغير. فبعد منتصف الفيلم، يصبح الشعور بأن كل محطة مطالبة بحمل معنى. تتكرر الأفكار، ويزداد الإصرار على الرموز، وتبدأ بعض المشاهد التي كان يمكن اختصارها في التمدد. حتى بعض الاستعارات البصرية، التي كان يمكن أن تعمل بتلقائية، يجري التأكيد عليها مرة أخرى بالحوار وكأن الفيلم يخشى ألا نفهم.

أما بالنسبة للتمثيل، تنجح خيرية نظمي في إعطاء الجدة ثقلًا وحضورًا يناسبان امرأة تحمل تاريخًا لا تقوله بسهولة، وتقدم لامار فادن أداءً قائمًا في جزء كبير منه على المراقبة وردود الفعل، بينما يخطف نواف الظفيري المشاهد بشخصية أحمد. لكن بعض الشخصيات الثانوية لا تصل إلى المستوى نفسه.

في مشاهد مثل نساء المقبرة، وشخصية المرأة في الرعاية، وبعض المواجهات مع العسكري، نشعر للحظة بالممثل وهو «يؤدي» الدور بدل أن نرى الشخصية تعيش داخل هذا العالم. قد تبدو هذه تفاصيل صغيرة، لكنها مؤثرة في فيلم يعتمد بشدة على الواقعية وعلى شعور المشاهد بأنه يرافق أشخاصًا حقيقيين عبر أماكن حقيقية.

ثم تأتي النهاية، ولا تبدو بحجم ما سبقها. ليست المشكلة أنها لا تقدم إجابات نهائية؛ ففيلم كهذا ليس مطالبًا بإغلاق كل أسئلته. المشكلة أن التوتر الذي راكمه النصف الأول لا يجد ذروته الدرامية المناسبة.

وعندما نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه: ماذا يحدث حين يخرج «هجرة» من البندقية ومهرجان البحر الأحمر إلى صالة تجارية عادية؟

ربما يكون من السهل اتهام الجمهور بأنه يريد الفيلم السريع فقط. لكن هذا التفسير مريح أكثر مما ينبغي. الجمهور يستطيع مشاهدة أفلام بطيئة وثقيلة ومعقدة حين تمنحه سببًا للاستمرار معها. واللافت أن «هجرة» نفسه يثبت ذلك في نصفه الأول.لا يقدم تنازلات تجارية، ومع ذلك يشد المشاهد. لا يتخلى عن لغته الخاصة، ومع ذلك يجعلنا ننتظر المشهد التالي. لا يبسط أفكاره، لكنه يضعها داخل قصة لها هدف وخطر وشخصيات نريد معرفة مصيرها.

ولو حافظ «هجرة» في نصفه الثاني على إحكام نصفه الأول، وقاوم رغبته في شرح أفكاره، واختصر بعض محطات الطريق، ومنح شخصياته المساحة نفسها التي منحها لموضوعاته؛ لما كنا نتحدث فقط عن أحد أهم الأفلام السعودية، ربما كنا نتحدث عن أعظمها.

SHARE

التعليقات (0)

ADD A COMMENT · أضف تعليقك

خالد المنصور
فريق رمان
FILM CRITIC

جميع مقالات الكاتب ←
RELATED READING · مقالات ذات صلة
جميع المقالات ←
دور السينما والفرص الضائعة
ARTICLE

دور السينما والفرص الضائعة

فريق رمان · سبتمبر 2026
كيف وصل «ذيب» الأردن إلى الأوسكار؟
ARTICLE

كيف وصل «ذيب» الأردن إلى الأوسكار؟

فريق رمان · سبتمبر 2026
حين يذكّرنا صانع «Breaking Bad» بالأخلاق
ARTICLE

حين يذكّرنا صانع «Breaking Bad» بالأخلاق

فريق رمان · أغسطس 2026