اعتاد كثيرون ربط وصول الأفلام العربية أو الأفريقية إلى المهرجانات العالمية بطرح موضوعات صادمة أو مثيرة للجدل، إلا أن تجربة المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو تقدّم نموذجًا مختلفًا. فقد بنى مكانته العالمية من خلال سينما هادئة، إنسانية، ومحافظة في معالجتها، تعتمد على قوة الصورة والسرد.
يتجلى هذا الأسلوب بوضوح في فيلم «الحياة على الأرض» (1998)، حيث يصوّر قرية صغيرة في مالي تستقبل الألفية الجديدة بينما ينشغل العالم بالاحتفالات الكبرى. لا توجد أحداث درامية صاخبة، وإنما تأمل في حياة الناس البسطاء، وفي الفجوة بين أفريقيا والعالم الغربي. ويقدّم الفيلم نقدًا للاستعمار والتهميش من خلال تفاصيل يومية هادئة، دون شعارات أو مواجهة مباشرة.
وفي «بانتظار السعادة» (2002)، يواصل سيساكو النهج نفسه، فيتناول الهجرة والاغتراب عبر قصة شاب يعود إلى موريتانيا ويشعر بالغربة في وطنه. يختار المخرج الصمت واللقطات الطويلة والحوارات المقتصدة ليعبّر عن أزمة الهوية، فيبتعد عن الميلودراما، ويترك للمشاهد مساحة للتأمل.
أما فيلم «تمبكتو» (2014)، فهو العمل الذي رسّخ مكانة سيساكو عالميًا. استوحى الفيلم أحداثه من سيطرة جماعات متطرفة على مدينة تمبكتو في مالي عام 2012، لكنه لم يتحول إلى فيلم دعائي أو خطاب سياسي مباشر. بدلاً من ذلك، ركّز على تأثير التطرف في الحياة اليومية: وتحريم كرة القدم، والتضييق على النساء، وتقييد أبسط مظاهر الفرح.
ما يميز «تمبكتو» أن سيساكو لم يجعل العنف محور المشاهدة، بل جعل الإنسان محور الحكاية. أشهر مشاهد الفيلم ليست مشاهد القتل، بل مباراة كرة قدم تُلعب بلا كرة.
كما أن الفيلم يتعامل مع الدين بقدر كبير من التوازن. فهو يميّز بين الإسلام الذي يمارسه أهل تمبكتو في حياتهم اليومية، وبين تأويلات الجماعات المتطرفة.
الأسلوب المحافظ والرصين لم يمنع أفلام سيساكو من تحقيق نجاح عالمي، بل كان أحد أسباب تميزها. فقد نافس «تمبكتو» على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 2014، ثم فاز بجائزة لجنة التحكيم المسكونية، وحصد سبع جوائز سيزار الفرنسية، منها أفضل فيلم وأفضل مخرج.
وجاءت الذروة عندما رُشّح الفيلم لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية في الدورة السابعة والثمانين، ليصبح عبد الرحمن سيساكو أول مخرج من دول أفريقيا جنوب الصحراء يصل إلى هذه الفئة في تاريخ الجائزة.
تثبت تجربة عبد الرحمن سيساكو أن السينما المحافظة ليست عائقًا أمام النجاح العالمي، بل قد تكون مصدر قوتها عندما تقترن بصدق التجربة وجودة الإخراج. فقد استطاع أن يصل إلى الأوسكار والمهرجانات الكبرى دون أن يتخلى عن أسلوبه الهادئ أو عن احترامه للإنسان وثقافته.

التعليقات (0)