هل يستطيع فيلم عربي أن يصل إلى الأوسكار دون أن يتنكر لبيئته أو يعيد تشكيلها بما يناسب النظرة الغربية؟ يقدّم «ذيب» إجابة
يكن مرشحًا تقليديًا لطريق الأوسكار: فيلم أول لمخرجه، بميزانية وإنتاج متواضعين، وبطاقم يعتمد في معظمه على ممثلين بدو غير محترفين. ومع ذلك، خرج من بادية الأردن ليصبح أول فيلم أردني يصل إلى ترشيحات الأوسكار
تدور أحداث «ذيب» عام 1916، أثناء الحرب العالمية الأولى، لكن الحرب الكبرى تبقى في الخلفية. في المقدمة هناك طفل بدوي يعيش مع أخيه الأكبر حسين، يتعلم منه الصيد ومعرفة الطريق وقواعد الحياة في الصحراء. يصل جندي بريطاني إلى مضارب القبيلة طالبًا من يدله على طريق مجهول، وتُلزم تقاليد إكرام الضيف الأسرة بمساعدته. ينطلق حسين معه، ويلحق به ذيب رغم منعه، لتتحول الرحلة سريعًا إلى اختبار قاسٍ يجد فيه الصبي نفسه مضطرًا إلى مواجهة الموت والخيانة والنجاة وحيدًا.
هنا تكمن قوة «ذيب»: إنه فيلم عن الرجولة دون أن يتحدث عنها. لا يقدم خطبًا عن الشجاعة والمسؤولية، بل يضع طفلًا في موقف تصبح فيه الدروس التي أخذها عن أخيه وأهله مسألة حياة أو موت. وما ينقذ ذيب ليس تحرره من إرثه، وإنما ما اكتسبه منه: الصبر، الفطنة، معرفة الصحراء، وتحمل المسؤولية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة «ذيب» بوصفه فيلمًا محافظًا دون أن يكون فيلمًا وعظيًا. الأسرة فيه مصدر للتكوين لا قيدًا يجب كسره، والأخ الأكبر نموذج يُقتدى به لا سلطة ينبغي التمرد عليها، وإكرام الضيف واجب له ثمن، والشرف والوفاء والانتماء معانٍ تتحرك داخل القصة دون أن تتحول إلى شعارات.
والأهم أن الفيلم لا يجمّل الماضي. فعالم ذيب نفسه يتداعى. سكة الحديد الجديدة بدأت تستبدل الأدلاء البدو الذين عاشوا على قيادة الحجاج والمسافرين عبر الصحراء، والحرب حولت الطرق القديمة إلى مساحات للمرتزقة وقطاع الطرق. لذلك يصبح نضج ذيب الشخصي متزامنًا مع نهاية عالم كامل: طفل يتعلم كيف يعيش وفق قيم آبائه، في اللحظة نفسها التي يبدأ فيها العالم الذي صنع تلك القيم بالاختفاء.
لهذا تبدو المقارنة مع «لورنس العرب» ملفتة، فـ الفيلمان يلتقيان في الصحراء والحقبة التاريخية والصورة الملحمية، لكنهما ينظران من جهتين مختلفتين. في «لورنس العرب» ندخل المنطقة من خلال المغامر البريطاني؛ أما «ذيب» فيضع الأجنبي على هامش الحكاية، ويمنح مركز الصورة للبدوي الذي كان غالبًا جزءًا من خلفية أفلام الآخرين. إنها الحرب العالمية الأولى كما يراها من مرّت الحرب فوق أرضهم، لا من كتبوا تاريخها.
حتى اختيار معظم الممثلين من أبناء البيئة البدوية وغير المحترفين منح الفيلم صدقًا يصعب اصطناعه. وربما هنا تكمن أهم قيمة في تجربة «ذيب» للسينما المحافظة: العالمية لا تبدأ بالابتعاد عن هويتك، بل أحيانًا بالغوص فيها.

التعليقات (0)