استأنف القراءة من حيث توقفت؟
«عن إيلي»
FILM CRITIQUE · نقد سينمائي

«عن إيلي»

في نهاية الفصل الأول من فيلم «عن إيلي» للمخرج الإيراني أصغر فرهادي، تختفي الشخصية التي يحمل الفيلم اسمها. إيلي، وهي معلمة شابة، تنضم إلى مجموعة من الأزواج والأصدقاء القادمين من طهران لقضاء عطلة قصيرة على شاطئ بحر قزوين. وبينما يفترض أنها تراقب ثلاثة أطفال يلعبون قرب البحر، تختفي فجأة. يبدأ الفيلم كرحلة عادية مليئة بالمزاح واللعب […]

فريق رمان · FILM CRITIC · يوليو 2026 · 9 دقائق قراءة

في نهاية الفصل الأول من فيلم «عن إيلي» للمخرج الإيراني أصغر فرهادي، تختفي الشخصية التي يحمل الفيلم اسمها. إيلي، وهي معلمة شابة، تنضم إلى مجموعة من الأزواج والأصدقاء القادمين من طهران لقضاء عطلة قصيرة على شاطئ بحر قزوين. وبينما يفترض أنها تراقب ثلاثة أطفال يلعبون قرب البحر، تختفي فجأة. يبدأ الفيلم كرحلة عادية مليئة بالمزاح واللعب والصداقات القديمة، ثم يتحول تدريجيًا إلى دراما أخلاقية معقدة، من دون أن يشعر المشاهد باللحظة التي تغيّر فيها الفيلم. هذا الانتقال السلس هو أحد أكبر إنجازات النص، إذ لا يعتمد على مفاجآت مصطنعة، بل على معلومات كانت موجودة منذ البداية، لكننا لم نكن نملك السياق الكافي لفهمها. ولهذا قارن كثير من النقاد الفيلم بـ «المغامرة» للمخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني، الذي يدور هو الآخر حول امرأة تختفي أثناء رحلة بحرية، ثم يكشف اختفاؤها هشاشة العلاقات بين من كانوا حولها.

لكن المشهد الذي يلي آخر ظهور لإيلي يذكّر أيضًا بفيلم مختلف تمامًا، هو «الفك المفترس» لستيفن سبيلبرغ. ففي الوقت الذي ينشغل فيه الرجال بلعب الكرة الطائرة خلف المنزل، يظهر طفلان من الشاطئ وهما يصرخان بأن الطفل الثالث قد اختفى في البحر. يحتاج الكبار إلى لحظات حتى يفهموا ما يقوله الطفلان، ثم يندفع الجميع في حالة من الفوضى والذعر نحو المياه. يدير فرهادي هذه الفوضى بدقة وحيوية نادرتين، ويصنع مشهدًا شديد التوتر من دون موسيقى ضخمة أو مؤثرات خاصة. 

بينما اشتهرت السينما الإيرانية عالميًا منذ أواخر الثمانينيات من خلال أعمال عباس كيارستمي ومحسن مخملباف، التي ارتبطت بأساليب السينما الفنية الأوروبية والتأمل البصري، جاء فرهادي بأسلوب أكثر درامية وحركة، متأثرًا بالمسرح وبالسينما الأمريكية الكلاسيكية في الوقت نفسه.كان من بين نماذجه داخل السينما الإيرانية مخرجان أقل شهرة خارج إيران: داريوش مهرجوي، الذي تناول كثيرًا الطبقات الوسطى والعليا، وبهرام بيضائي، الذي تنبع جذوره الفنية من المسرح، مثل فرهادي نفسه. كما أقر فرهادي بتأثره بمخرجين أمريكيين مثل إيليا كازان، وبأفلام مثل «عربة اسمها الرغبة».

صُنع «عن إيلي» قبل «انفصال نادر وسيمين»، رغم أنه لم يصل إلى الجمهور الأمريكي إلا بعد سنوات بسبب مشكلات حقوق التوزيع. وقد فاز فرهادي عنه بجائزة الدب الفضي لأفضل مخرج في مهرجان برلين عام 2009. ويحتوي الفيلم بالفعل على معظم السمات التي ستصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من أسلوبه: البناء المتدرج، الأسرار التي تكشف نفسها ببطء، الشخصيات التي تتغير صورتها كلما عرفنا عنها المزيد، والقرارات الصغيرة التي تتراكم حتى تصبح مأساة.

يشبه البناء الدرامي عند فرهادي تقشير البصلة. تبدو الطبقات الأولى بسيطة ومألوفة، لكن كلما أزيلت طبقة ظهرت تحتها حقيقة أكثر تعقيدًا. يبدأ الفيلم كرحلة سعيدة لأصدقاء قدامى، كثير منهم يعرف بعضه منذ الجامعة أو كلية الحقوق. ثلاث عائلات وأطفال، ومعهم أحمد، رجل مطلق عاد من ألمانيا، وإيلي، معلمة ابنة سبيده، وهي المرأة التي رتبت الرحلة.

رفض فرهادي اختزال الفيلم في كونه إدانة مباشرة للمجتمع الإيراني. فعندما وصف بعض النقاد العمل بأنه نقد للأكاذيب والمراوغات التي تسود المجتمع، أبدى فرهادي تحفظه، لأنه لا يريد أن يكون مخرجًا مطالبًا دائمًا بشرح إيران للغرب. بالنسبة له، وظيفة الفيلم ليست تلقين الجمهور فكرة سياسية جاهزة، بل فتح مساحة يتأمل فيها المشاهد بنفسه. لا يريد من الجمهور أن يبقى مستهلكًا للأفكار، بل أن يصبح شريكًا في التفكير والحكم. ولهذا لا يمنح الفيلم إجابات أخلاقية مريحة، ولا يحدد شخصية واحدة بوصفها مذنبة بالكامل.

في الفيلم تصوت المجموعة أكثر من مرة: تصوت بشأن المكان الذي ستقيم فيه، ثم تناقش جماعيًا الرواية التي ستقولها، وتقرر كيف ستكذب. تصبح الديمقراطية هنا عملية موجودة شكليًا، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى الحرية أو الحقيقة. يصوت الجميع، لكن القرارات تظل خاضعة للخوف والعادات والرغبة في حماية السمعة.. تظل منظومة الشرف الديني والاجتماعي أقوى من النزعة العلمانية ومن الحرية الشخصية التي تتخيل الشخصيات أنها تملكها. وهذه الحرية تظل هشة. فحين تختفي إيلي، ينهار الإحساس بالأمان، وتعود سلطة المجتمع والتقاليد دفعة واحدة. تصبح سمعة إيلي، وعلاقتها بالرجل المرتبط بها، وطبيعة وجودها مع مجموعة من الغرباء، أهم من البحث البسيط عن الحقيقة.

اختفاء إيلي يزيل قشرة الرضا عن هذه الشخصيات. يكشف أن روابطها ليست قوية كما كانت تعتقد، وأن تحررها محدود، وأن حاضرها مليء باحتمالات الخطر. تصبح امرأة لم يعرفوها جيدًا مرآة تكشف كل ما حاولوا عدم رؤيته في أنفسهم. رغم أن العنوان هو «عن إيلي»، فإن الفيلم لا يقدم لنا إيلي بوصفها شخصية واضحة ومكتملة. هي هادئة، خجولة، ومتحفظة، ولا نعرف عنها إلا القليل. لكن كلمة «عن» تصبح جوهر الفيلم؛ لأن ما نعرفه عنها بعد اختفائها يتكون من روايات الآخرين وتخميناتهم وأكاذيبهم.

يشبه الفيلم «المغامرة» لأن كليهما يبدأ باختفاء امرأة قرب البحر، لكن فرهادي أكثر اهتمامًا بالحبكة وبالتوتر الاجتماعي. كان أنطونيوني يستخدم الغياب للتأمل في الفراغ الوجودي والعزلة، بينما يستخدمه فرهادي لتفجير العلاقات والأكاذيب.

أسلوب أنطونيوني بصري وفلسفي، ويترك الأسئلة بلا إجابات متعمدًا. أما فرهادي فهو أكثر ديناميكية وواقعية، ويقترب من الإثارة النفسية. لا تتحول نهاية إيلي إلى مجرد لغز بوليسي، لكنها ليست غامضة تمامًا أيضًا. نحصل على بعض الإجابات، من دون أن نشعر أننا فهمنا الحقيقة كاملة.

يصف بعض النقاد فرهادي بأنه صانع أفلام «أخلاقي حسابيًا»؛ فكل قرار يضاف إلى ما سبقه، وكل كذبة تنتج كذبة أخرى، وكل محاولة للنجاة تخصم شيئًا من إنسانية الشخصيات. لا تقع المأساة بسبب فعل شرير ضخم، بل بسبب مجموعة من الاختيارات الصغيرة التي بدت منطقية في لحظتها.

تكمن قوة السيناريو في أن المواقف اليومية العادية تتحول إلى اختبارات أخلاقية. مشكلة الحجز، دعوة امرأة غريبة، الادعاء بأن شخصين متزوجان، رفض إيصال إيلي إلى محطة الحافلات؛ كلها تبدو تفاصيل بسيطة في أي فيلم آخر، لكن فرهادي يبني منها مصير الشخصيات.

حتى عندما نعرف مصير إيلي، لا نشعر أننا عرفناها. الوصول إلى نهاية الحدث لا يعني الوصول إلى نهاية المعنى. كل إجابة تفتح بداية أكثر قتامة.

يحوّل فرهادي المشاعر اليومية إلى إثارة سينمائية. لا يحتاج إلى جريمة منظمة أو قاتل أو مؤثرات ضخمة. تكفيه معضلة أخلاقية يواجهها أشخاص عاديون حتى يصنع توترًا يوازي أفضل أفلام التشويق.

في النهاية، «عن إيلي» فيلم إيراني شديد الخصوصية، لكنه عالمي في أسئلته. يتحدث عن الطبقة والدين والمرأة والسمعة والتقاليد، لكنه يتحدث أيضًا عن طبيعة البشر حين يخافون. كيف يبررون الكذب، وكيف يغيرون رواياتهم لحماية أنفسهم، وكيف تتحول النوايا الحسنة إلى أذى.

إنه فيلم عن أكاذيب صغيرة لا يقصد أصحابها الشر، لكنها تتكاثر حين تواجه ظرفًا استثنائيًا. وعن جماعة تعتقد أنها تعرف نفسها، ثم تكتشف أن تماسكها قائم جزئيًا على ما اختارت ألا تقوله.

النص أيضًا لا يمنح أي شخصية امتياز البطولة الأخلاقية. سبيده هي المحرك الأساسي للأحداث، لكنها ليست شريرة؛ أرادت مساعدة صديقين، لكنها تجاوزت حدود الآخرين. الرجال يلومونها، لكنهم يشاركونها لاحقًا في صناعة الأكاذيب. وحتى إيلي، التي تدور حولها الحكاية، تبقى شخصية غامضة لا يسمح لنا السيناريو بفهمها كاملًا. الجميع يملك جزءًا من الحقيقة، ولا أحد يملك الحقيقة كلها.

ويبرع فرهادي في كتابة الحوار. حواراته لا تبدو مكتوبة لتوصيل معلومات إلى المشاهد، بل تنبع من الشخصيات نفسها. يتحدث الجميع فوق بعضهم، يقاطعون بعضهم، يترددون، يغيرون أقوالهم، ويكررون الجمل تحت الضغط، فتبدو المحادثات طبيعية إلى درجة الوثائقية. والأهم أن الحوار لا يشرح الشخصيات، بل يكشفها؛ فكل جملة يقولها أحدهم تفضح خوفًا أو رغبة أو تناقضًا داخله.

كذلك يعتمد السيناريو على ما لا يُقال بقدر اعتماده على ما يُقال. يخفي فرهادي معلومات أساسية عن المشاهد، لكنه لا يغشّه. كل الإجابات موجودة داخل الفيلم، إلا أنها موزعة بعناية، بحيث يغيّر كل كشف جديد فهمنا للشخصيات والأحداث. ولهذا السبب يدفع الفيلم المشاهد إلى إعادة تقييم أحكامه باستمرار، فلا يبقى متأكدًا من براءة أحد أو إدانته.ويحافظ النص على توتره من دون اللجوء إلى أدوات أفلام التشويق التقليدية. فلا توجد مطاردات أو موسيقى صاخبة أو شرير واضح.هذا النوع من الكتابة هو ما يميز أصغرفرهادي. وعندما ينتهي الفيلم، لا يبقى السؤال الأهم: «أين ذهبت إيلي؟» بل: «كيف استطاعت مجموعة من الأشخاص العاديين، أصحاب النوايا الحسنة، أن يصلوا إلى هذه المأساة؟»

SHARE

التعليقات (0)

ADD A COMMENT · أضف تعليقك

خالد المنصور
فريق رمان
FILM CRITIC

جميع مقالات الكاتب ←
RELATED READING · مقالات ذات صلة
جميع المقالات ←
«إخوة ليلى» وكرامة الآباء
ARTICLE

«إخوة ليلى» وكرامة الآباء

فريق رمان · يوليو 2026
انفصال | فلم محافظ  يحصل على الأوسكار
ARTICLE

انفصال | فلم محافظ يحصل على الأوسكار

فريق رمان · يوليو 2026
كيف أصبح Close-Up من أهم الأفلام في التاريخ؟
ARTICLE

كيف أصبح Close-Up من أهم الأفلام في التاريخ؟

فريق رمان · يوليو 2026