استأنف القراءة من حيث توقفت؟
«إخوة ليلى» وكرامة الآباء
FILM CRITIQUE · نقد سينمائي

«إخوة ليلى» وكرامة الآباء

لا يكتفي «إخوة ليلى» بأن يكون فيلمًا عن الفقر، بل يحاول تفكيك الآثار النفسية والاجتماعية التي يتركها الفقر على الإنسان والعائلة. تدور الأحداث حول ليلى، امرأة في الأربعين من عمرها تعمل في وظيفة مرهقة بمكتب التوظيف، وتقضي حياتها في رعاية والديها المسنين اللذين تعيش معهما. وعندما يعود شقيقها الأكثر مسؤولية، علي رضا، بعدما ترك عمله […]

فريق رمان · FILM CRITIC · يوليو 2026 · 9 دقائق قراءة

لا يكتفي «إخوة ليلى» بأن يكون فيلمًا عن الفقر، بل يحاول تفكيك الآثار النفسية والاجتماعية التي يتركها الفقر على الإنسان والعائلة. تدور الأحداث حول ليلى، امرأة في الأربعين من عمرها تعمل في وظيفة مرهقة بمكتب التوظيف، وتقضي حياتها في رعاية والديها المسنين اللذين تعيش معهما. وعندما يعود شقيقها الأكثر مسؤولية، علي رضا، بعدما ترك عمله في المصنع بسبب فساد أصحاب العمل وامتناعهم عن دفع أجور العمال، ترى ليلى أن الفرصة الوحيدة لإنقاذ العائلة تكمن في إنشاء مشروع تجاري صغير يجمع الإخوة الأربعة.

يبدأ الفيلم بتقديم كل فرد من العائلة بوصفه انعكاسًا لطريقة مختلفة في التعامل مع الفقر. فـ”برويز” يعيش آثار سنوات من الكفاح لإعالة بناته الخمس، حتى انعكس ذلك على صحته الجسدية والنفسية، بينما يندفع “منوشهر” نحو مشاريع استثمارية احتيالية عالية المخاطر لأنه لم يعد يرى طريقًا آخر للخروج من أزمته المالية. أما “فرهاد” فيعيش بلا طموح حقيقي، ينجرف خلف رغبات والده، في حين يبدو “علي رضا” الشخصية الوحيدة التي ما زال لديها أمل في بناء مستقبل مختلف، ولهذا تراهن عليه ليلى ليكون حجر الأساس في مشروعها.

تؤمن ليلى أن بإمكان العائلة جمع المال اللازم لتحويل متجر صغير داخل مركز تجاري – كان في الأصل دورة مياه – إلى مشروع يوفر مصدر دخل مستقر للإخوة جميعًا. بالنسبة لها، هذا المشروع ليس مجرد تجارة، بل فرصة أخيرة لاستعادة كرامة العائلة وإنقاذها من الانهيار الاقتصادي.

لكن الفيلم يكشف أيضًا عن معركة أخرى تخوضها ليلى بصفتها امرأة في المجتمع الإيراني. فهي الأكثر وعيًا، والأقدر على اتخاذ القرارات، والأكثر تضحية، ومع ذلك تبقى مهمشة، لا تستطيع الوصول إلى المكانة أو التأثير الذي يستحقه عقلها. تعمل، وتخطط، وتحمل مسؤولية الجميع، لكنها تصطدم بمجتمع يمنح السلطة للرجال حتى عندما تكون قراراتهم كارثية.

يتجسد هذا الصراع بوضوح في شخصية الأب، إسماعيل. فمن السهل أن يتعاطف المشاهد معه؛ رجل عجوز، بوجه متعب، وشارب أبيض كثيف، وابتسامة خالية من الأسنان، يبدو هشًا وضعيفًا أكثر من كونه متسلطًا. وحتى أكاذيبه وقراراته المدمرة لا تنبع من الشر، بل من رغبة عميقة في أن يحظى أخيرًا بالاحترام الذي حُرم منه طوال حياته.

عندما يموت أحد أقاربه، يُعرض على إسماعيل أن يصبح كبير العائلة، وهو منصب يمنحه مكانة اجتماعية طالما حلم بها. لكن هذا الشرف ليس مجانيًا؛ إذ يتطلب دفع أربعين قطعة ذهبية، وهي الثروة نفسها التي كانت ليلى تخطط لاستثمارها في المشروع التجاري الذي قد ينقذ مستقبل أبنائه. وهنا يضع الفيلم المشاهد أمام سؤال مؤلم: هل يسعى الإنسان إلى إنقاذ أسرته، أم إلى شراء الاعتراف الاجتماعي الذي حُرم منه طوال عمره؟

تكمن مأساة الفيلم في أن جميع الصراعات تنبع من الجذر نفسه: الفقر. فالعملات الذهبية الأربعون تتحول إلى محور تدور حوله كل الخلافات، لأنها تمثل لكل شخصية شيئًا مختلفًا؛ بالنسبة لإسماعيل هي الاحترام والمكانة، وبالنسبة لليلى هي الاستقلال والنجاة، وبالنسبة للإخوة هي فرصة أخيرة لبداية جديدة. وهكذا يصبح المال ليس مجرد وسيلة، بل القوة التي تعيد تشكيل العلاقات وتكشف هشاشة الروابط العائلية.

ورغم كل هذا التوتر، لا ينسى الفيلم إظهار الحب الحقيقي بين الإخوة. ففي لحظات الرقص في حفلات الزفاف، أو المزاح العابر، أو استعداد أحدهم للتضحية من أجل الآخر، يذكّر الفيلم المشاهد بأن هذه العائلة ما زالت تحب بعضها، وأن ما يدفعها إلى الصدام ليس الكراهية، بل الحاجة واليأس. بالنسبة للمشاهد القادم من مجتمع فرداني، تبدو هذه الروح الجماعية والتضحية المتبادلة لافتة ومؤثرة.

ويرى النقاد أن الفيلم يمتلك كثافة سردية تشبه الروايات الروسية الكبرى، بما تحمله من شخصيات متعددة، وتشابك في العلاقات، وتعقيد نفسي عميق. كما يجدون فيه صدى لأعمال جون ستاينبك، التي تناولت الفقر بوصفه قوة تسلب الإنسان كرامته وتدفعه إلى اتخاذ خيارات لم يكن ليفكر فيها في ظروف طبيعية.

وعلى امتداد ما يقارب ثلاث ساعات، يبني سعيد روستايي حبكة شديدة الإحكام، تتكشف فيها المعلومات تدريجيًا، ويعيد كل اكتشاف جديد تشكيل فهم المشاهد للشخصيات. فلا توجد مفاجآت مصطنعة، بل تحولات تبدو منطقية لأنها مبنية على دوافع إنسانية راسخة، وهو ما يجعل السيناريو أحد أبرز عناصر قوة الفيلم.

ورغم أن عنوان الفيلم يحمل اسم ليلى، فإنها ليست دائمًا الشخصية المحورية في كل مشهد. ففي كثير من الأحيان تؤثر في الأحداث من خارج الكادر، عبر قراراتها أو محاولاتها المستمرة لتوجيه إخوتها. كما يرفض الفيلم تقديمها بوصفها بطلة مثالية؛ فهي الأكثر حكمة، لكنها ترتكب أخطاء أيضًا، تمامًا كما يفعل جميع أفراد العائلة. فلا أحد هنا خير بالكامل أو شرير بالكامل، وكل شخصية تظل عرضة للنقد والتعاطف في الوقت نفسه.

أما بصريًا، فيعتمد روستايي أسلوبًا بسيطًا يخلو من الاستعراض، مركزًا على أداء الممثلين والعلاقات بينهم. وتمتلئ كثير من المشاهد بسبعة أو ثمانية أشخاص داخل الكادر الواحد، يتحدثون في الوقت نفسه، ويتجادلون، ويتحركون باستمرار، ومع ذلك يحافظ المخرج ومدير التصوير هومان بهمنش على وضوح الحركة والعلاقات داخل الصورة، بحيث يبقى كل ممثل حاضرًا ومؤثرًا، رغم الفوضى الظاهرة.

لكن الإنجاز الأكبر، بحسب معظم النقاد، يكمن في السيناريو نفسه. فهو مليء بحوارات طويلة، ومجادلات معقدة، وتحولات نفسية متقنة، تكشف عن فهم عميق للطبيعة البشرية. لا يشعر المشاهد أبدًا أن الأحداث تتحرك لخدمة الحبكة، بل تبدو وكأنها نتيجة حتمية لشخصيات تعرفها جيدًا، ولهذا تبدو كل كارثة في الفيلم مؤلمة، لأنها تبدو قابلة للحدوث في الواقع.

ورغم أن الفيلم مُنع من العرض في إيران، فإنه منح الجمهور العالمي نافذة نادرة لفهم الضغوط التي يعيشها الإيرانيون، ليس عبر الشعارات السياسية، بل من خلال حياة عائلة واحدة تكافح يوميًا ضد الفقر، والطبقية، والتمييز، والتقاليد الاجتماعية. ولهذا يتجاوز «إخوة ليلى» حدود الحكاية المحلية، ليصبح فيلمًا عن الكرامة الإنسانية. 

SHARE

التعليقات (0)

ADD A COMMENT · أضف تعليقك

خالد المنصور
فريق رمان
FILM CRITIC

جميع مقالات الكاتب ←
RELATED READING · مقالات ذات صلة
جميع المقالات ←
انفصال | فلم محافظ  يحصل على الأوسكار
ARTICLE

انفصال | فلم محافظ يحصل على الأوسكار

فريق رمان · يوليو 2026
«عن إيلي»
ARTICLE

«عن إيلي»

فريق رمان · يوليو 2026
كيف أصبح Close-Up من أهم الأفلام في التاريخ؟
ARTICLE

كيف أصبح Close-Up من أهم الأفلام في التاريخ؟

فريق رمان · يوليو 2026