استأنف القراءة من حيث توقفت؟
السينما الإيرانية
FILM CRITIQUE · نقد سينمائي

السينما الإيرانية: مقاومة هادئة خلف الكاميرا

حين تحمل الصورة أكثر مما يقوله الكلام — قراءة عميقة في أعمال عباس كياروستامي وأصغر فرهادي، ومعادلتهما الدقيقة بين الفن الرفيع والقيمة الإنسانية.

أ. خالد المنصور · FILM CRITIC · أبريل 2026 · 9 دقائق قراءة

في زمن صار فيه الضجيج ديدن الصورة، وباتت الاستعراضية لغةً لا يُنافَس عليها، جاءت السينما الإيرانية في هدوئها الخادع لتُعيد تعريف ما يعنيه أن تحكي بالضوء والظل. لم تكن مقاومةً صاخبة، بل كانت أعمق من ذلك — كانت إيماناً راسخاً بأن الإنسان يستحق أن يُرى كما هو، بكل تعقيداته وهشاشته وقيمه المدفونة تحت طبقات الحياة اليومية.

حين نتأمل مسيرة عباس كياروستامي، نجد أنفسنا أمام شاعر لا مخرجاً بالمعنى التقليدي. رجل يعرف كيف يصمت، وكيف يجعل من الصمت حواراً مكثفاً بين الإنسان والطبيعة، بين الطريق الملتوي والمصير الغامض. في ثلاثيته الكوكرية — «أين منزل الصديق؟» و«الحياة تستمر» و«تحت أشجار الزيتون» — لا تجد مشاهد مبهرة بالمعنى البصري المعتاد، بل تجد حضوراً إنسانياً حقيقياً ينبض ببساطة مُذهلة.

«لم تكن مقاومةً صاخبة، بل كانت أعمق من ذلك — كانت إيماناً راسخاً بأن الإنسان يستحق أن يُرى كما هو، بكل تعقيداته وهشاشته»

ما يميز كياروستامي عن سواه هو قدرته على تحويل اللحظة العادية إلى مرآة عميقة. في فيلم «طعم الكرز» الحائز على السعفة الذهبية عام 1997، يبدو الأمر للوهلة الأولى بسيطاً: رجل يبحث عن مساعد يُعينه على الانتحار. لكن كياروستامي يحوّل هذا الطريق الطويل إلى فلسفة حياة، وكل شخص يقابله البطل يُضيف طبقةً جديدة من التساؤل والمعنى. وفي النهاية — تلك النهاية المفاجئة التي حيّرت النقاد — يبدو وكأن المخرج نفسه يتدخل ليقول بصوت هادئ: الحياة لا تنتهي هكذا.

والحقيقة أن ما يجعل كياروستامي استثنائياً ليس فقط اختياره للمواضيع، بل طريقته في التعامل مع الزمن. الزمن في أفلامه ليس خطاً نحو الذروة، بل هو دائرة تعود على نفسها — مثل أشجار الزيتون في الريح، أو مثل السيارة التي تسير في الجبال لا تريد أن تصل إلى أي مكان بقدر ما تريد أن تكتشف ما في الطريق نفسه.

مشهد سينمائي
من أعمال المدرسة الإيرانية الكلاسيكية — بساطة الصورة تحمل ثقل المعنى

على الطرف الآخر من الجيل، يأتي أصغر فرهادي حاملاً معادلته الأخلاقية المُحكمة. في أفلامه — «انفصال» و«الماضي» و«البائع» — لا يوجد شرير حقيقي ولا بطل مثالي. هناك فقط بشر يتخذون قرارات في ظروف صعبة، وكل قرار يُفضي إلى تداعيات لم يكن أحد يتوقعها. هذا ما يجعل أفلامه تتسلل تحت الجلد — لأنها تطرح السؤال الحقيقي الذي لا نجرؤ في الغالب على أن نطرحه على أنفسنا: ماذا كنتَ ستفعل أنت لو كنتَ مكانه؟

«في أفلام فرهادي، لا يوجد شرير حقيقي ولا بطل مثالي. هناك فقط بشر يتخذون قرارات في ظروف صعبة — وكل قرار يُفضي إلى ما لم يتوقعه أحد»

فيلم «انفصال» بالذات يستحق وقفةً خاصة. حصل على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، وعلى جائزة النقاد في برلين عام 2011. لكن ما يهمنا هنا ليس الجوائز، بل تلك اللحظة الأخيرة من الفيلم — الابنة التي تقف وحدها في الممر، تنتظر أن يختار أحد والديها. لحظة خالصة من أي تعليق أو موسيقى انفعالية، مجرد وجه طفلة تحمل ثقل عالم بالغ لم تطلبه. هنا يتوقف فرهادي ويترك المشاهد وحده مع سؤاله.

ما الذي يجمع بين هذين المخرجين العظيمين، وما الذي يجعل تجربتهما ذات قيمة خاصة للمشاهد العربي المحافظ تحديداً؟ الجواب يكمن في نقطة جوهرية واحدة: كلاهما يؤمن بأن الحقيقة الإنسانية أعمق من أي أيديولوجيا، وأن الفن الحقيقي لا يُقدّم إجابات جاهزة بقدر ما يطرح أسئلة صادقة. لا توجد في أفلامهما مشاهد فاضحة أو عنف مُبتذل أو استفزاز مجاني — بل هناك دائماً احترام عميق للإنسان وللمشاهد على حدٍّ سواء.

في مقابل السينما التجارية التي تُغرق مشاهدها بالمؤثرات البصرية والإيقاع المتسارع وتُعاملهم كمستهلكين للإثارة لا كعقول باحثة عن معنى، تأتي هذه الأفلام لتقول بكل هدوء: أنتَ قادر على الصبر، وعلى التأمل، وعلى احتمال البطء الذي هو بطء الحياة نفسها. وهذه في حد ذاتها رسالة احترام نادرة في زمن صار فيه الاستحواذ على الانتباه صناعةً بأسرها.

ولعل أبرز ما يمكن أن يتعلمه صُنّاع المحتوى العربي من هذه التجربة هو أن الأصالة لا تعني الانغلاق، وأن الالتزام بالقيم لا يتعارض مع الجمال الفني، بل قد يكون هو السبيل الوحيد إلى جمال حقيقي يدوم. الجمال الذي يعبر حدود اللغة والجغرافيا ليصل إلى ذلك الشيء المشترك في صميم الإنسان أينما كان.

ختاماً، لا يكفي أن نُشاهد هذه الأفلام — علينا أن نتعلم منها أسلوباً في النظر. أن نتعلم كيف نُقدّر الصمت في محله، وكيف نرى في وجه الآخر قصةً تستحق الإنصات. السينما الإيرانية في أجمل لحظاتها هي تذكير بأن الفن ليس هروباً من الواقع، بل هو الطريقة الأعمق للنظر إليه — وأن المشاهدة الحقيقية ليست فعلاً سلبياً، بل هي في أحيان كثيرة أشد وطأةً وأكثر أثراً من القراءة أو السماع.

وربما هذا هو ما يحتاجه المشاهد العربي اليوم أكثر من أي شيء آخر — ليس الترفيه المُخدِّر، بل الصحوة الهادئة التي تُعيد له الإيمان بأن الحياة البسيطة مليئة بما يستحق أن يُروى، وأن الصورة الصادقة قادرة وحدها على أن تُغيّر شيئاً في الداخل لا يستطيع أي خطاب أن يصله.

TAGS
السينما الإيرانية عباس كياروستامي أصغر فرهادي نقد سينمائي سينما المؤلف القيم في السينما
SHARE

التعليقات (0)

ADD A COMMENT · أضف تعليقك
تعليقك يظهر فور نشره
خالد المنصور
أ. خالد المنصور
FILM CRITIC

ناقد سينمائي وباحث في الدراسات الثقافية. يكتب عن السينما العربية والعالمية بمنظور قيمي محافظ. مقيم في الرياض، شارك في عدد من المهرجانات النقدية الدولية وأسهم في تأسيس منصات نقدية متخصصة.

جميع مقالات الكاتب ←
RELATED READING · مقالات ذات صلة
جميع المقالات ←
REVIEW

حين يصبح الصمت لغةً سينمائية: مراجعة «إلى الأبد وليوم»

ريم الشمري · مارس 2026 · 5 دقائق
LIST

عشرة أفلام عربية ينبغي لكل محافظ مشاهدتها قبل نهاية العقد

تحرير رُمّان · فبراير 2026 · 7 دقائق
CLASSIC

نقد: «الأرض» ليوسف شاهين — رواية الإنسان والقضية في 90 دقيقة

د. سامي العتيبي · يناير 2026 · 10 دقائق